الخرطوم تُفْتَحُ صُلْحاً ؟!

الشيخ صلاح الدين ابراهيم

    لكل حرب بين البشر غاية تنتهي إليها ، وكان لكل من الطرفين في حرب الجنوب غاية . فقد كانت غاية النصارى من أهل الجنوب تحرير السودان كله من العرب والمسلمين إذْ أنهم غزاة ٌ محتلون وليس لهم حق التوطن بهذه الأرض ، ولذا كان اسم الحركة الحركة الشعبية لتحرير السودان وليس الجنوب وحده ، وعلى هذا قامت الحركة وإليه تسعى مرحلة بعد مرحلة .

    وكان غاية الأنظمة الحاكمة في الخرطوم إدخال من تمرد في الطاعة ، والمحافظة على وحدة السودان بجنوبه وشماله ، حرصاً على تراب الوطن العزيز !! من البعثرة والتناثر .. تحت أي حكم كان ذلك الوطن .. المهم الوحدة الوطنية وذلك شأن جميع الحكومات المتعاقبة بما فيها الإنقاذ الوطني .    وبهذا تعلم بعد ما بين الغايتين وعمق الأولي وهشاشة الثانية وضبابيتها .

   ولم يُكتب للمستهدف من المعركة من الدخول فيها - أعنى الإسلام - إلا خداعاً ونفاقاً من الإنقاذ وتضليلاً ، فحصدت به شباب الإسلام من غير وضوح راية أو غاية .

    وأنى للحكومات أن تدخل المعركة بالإسلام ولم تسلم وجهها إلى الله ، فإن فاقد الشئ لا يعطيه ، ولأجل ذلك انطمست بصائر تلك الحكومات عن الغاية من تلك الحرب ، وكان أشدها عُمياً حكومة الإنقاذ المتظاهرة بالإسلام  وبالمقارنة بين الغايتين يتضح إتفاقهما على وحدة السودان ، وتنفرد وجهة الحركة بسودان موحد خال من العرب والمسلمين . وتنفرد وجهة الحكومة العلمانية بلا وجهة !! } ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً { .  وعلى ذلك استمرت الحرب .. حتى وضعت أوزارها على الاصطلاح والسلام .ولنتأمل بعد ذلك أي الفريقين بلغ غايته..الغاية المشتركة وهي وحدة تراب السودان الوحدة الوطنية وقد كانت من أهم مقاصد الإتفاقية وقد أُنجِزَت تلك الوحدة  (( فيما

يبدو للناس فَبِها يفرحون وعلى أوتارها يرقصون )) وبهذا تنتهي غاية النظام الحاكم ..

    أما أهداف الحركة وغاياتها فقد تحقق منها فوق ما كانوا يظنون .. فحافظوا على وحدة السودان ولكنه سودان جديد .. أُعتُرِفَ لهم فيه بأحقيتهم في كل شبر فيه ، والمشاركة في حكم الشمال بعد استقرار الأمر لهم في الجنوب ، ونزول جيوشهم به .. والاصطلاح على تغيير عقيدة الجيش التابع للنظام الحاكم ، والصلح على إقرار حرية رعايا الحركة .. على أن يُحرس ذلك بنظام حكم جديد مستمد من بنود تلك الإتفاقية .. التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ..

    ويسمى هذا في قانون الحرب الفتح الصلحي فها قد دخل قرنق الخرطوم بجيشه صلحاً بعد أن كان يرجو دخولها عَنوةً ... ولكنها مرحلة لا بأس باقتناص صيدها وقطف ثمرها . ولهذا النصر والفتح - الذي ربما لو كان عَنوةً ما بلغ هذا المبلغ - له نشوة وعزة تجلل أهلها الكفرة في شوارع العاصمة المفتوحة ومركباتها وجامعاتها .

    وقد غلبت عليهم نشوة النصر فارادوا التعجيل بمن يُظن عائقاً ومكدراً لهذا الفتح وهو الإسلام المتمثل في من يدعون إليه أو يلتزمون شرائعه ، فأشهروا السلاح في وجوهنا ، وكشفوا نساءَنا وأهانوا ديننا ، ولا يُفعلُ ذلك إلا بمغلوب .. لا يرد غالباً ولا يظفر بمطلوب .

    وقد أخذت الحكومة على نفسها - وتلك غنيمتها المفرحة من هذا الصلح - أخذت على نفسها العزم على عدم العود إلى الإسلام وذلك بالتعهد على عدم الحكم بالشريعة وتضليل المسلمين بعكس القضية .

    والتكفل بتخدير المسلمين وخداعهم ، وربما تأديبهم إذا لم يرتضوا هذا الفتح الصلحي الجائر .

    وواقعة الجامعة لها توابع وإنما هي جسٌّ لأهل الإسلام المغلوبين على أمرهم هل فيهم من رمق أو بهم من غَيْرة .. ولئن مرت هذه الواقعة .. واستنام لها المسلمون فليُغريَّن ذلك عدوهم .

                    ولتسمعُنَّ بكل أرض داعياً       يدعو إلى الكذاب أو لسجاحِ     

 

                    ولتشهدُنَّ بكل أرض فتنـةً       فيها يُبـاعُ الدين بيع سَماحِ  

فانتبهوا أيها المسلمون قبل الذبح والأسر والَّسبيْ

 

                   فالموت أربح صفقة من عيشة    من أسرها لا ترتجون سراحاً