بسم الله الرحمن الرحيم

هذا بلاغ للناس

قال تعالى : ] وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الأنفال الآية (25)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

يا جماهير شعبنا المسلم :  لقد درجنا على مخاطبتكم كلما حَزَبَ البلاد أمرٌ ، وألمّ بها خطبٌ ، تبصرةً ونصيحةً وإحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل وإقامة للحجة وإبراء للذمة ومعذرة إلى الله تعالى ، وقد أصدرنا في ذلك عدة إصدارات كان منها ( قضايا السودان وآفاق الحل ) في أكتوبر 2000م ، و ( نداء الإسلام ) في أبريل 2001م ، و ( الحملة الصليبية على السودان ) في يوليو 2002م ، و ( رؤية في الأزمة السودانية ) في فبراير 2004م ، و ( رؤية في إتفاقية السلام ) في يوليو 2004م ، وكنا في ثنايا هذه الإصدارات ندق ناقوس الخطر ، ونُبيّنُ ملامح الفتنة القادمة ، ونُوضح حجم المهددات التي تحيط بأمتنا ، آملين أن يستيقظ النائمون ، ويتحرك الحادبون لحماية العقيدة وحراسة الأمة وتأمين مستقبل السودان المسلم وصون أرضه والحفاظ على وحدته .

نخاطبكم اليوم وقد وقع ما كنا نخشاه ونَحذرُه ونُحذّرُ منه ، وقد تمت المؤامرة من خلال منبر الإيقاد وشركائه وأصدقائه ، وكانت الثمرة الخبيثة هي الاتفاقية التي تم توقيعها في يوم 9 يناير 2005م وكان المولود الشائه الكريه هو السودان الجديد كما يزعمون . بعد أن فصلوه عن ماضيه وإرثه ، وقطعوه عن أصله ، ويريدون تذويب هويته الدينية واقتلاع جذوره الإسلامية .

يا جماهير شعبنا المسلم الأبي : إن حقيقة الفتنة وملامحها لا تكمن في جانب واحد من جوانب هذا الاتفاق والذي لم يبدأ اليوم وإنما بدأ منذ أن سمحت الإنقاذ وفي أيامها الأولى للوساطات الأمريكية بالتدخل في الشأن السوداني بحجة إيجاد حل لمشكلة الجنوب ، وتوطئه لذلك قامت بإلغاء قانون التنصير والذي يحول دون بناء الكنائس أو تجديدها ، وكان ذلك عقب انعقاد مؤتمر حوار الأديان عام 1994م والذي تلته زيارة البابا للخرطوم ، وكانت لذلك ثمار مرة من بناء لكنائس في قلب العاصمة وبقية مدن الشمال وانتشار التنصير والمنصِّرين ، ثم توالت التدخلات الأمريكية بدءاً بزيارة كوهين مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان ، ثم زيارة كارتر إلى أن وصل الأمر إلى القس دانفورث وغيره من رسل التمر من كل فِجاج الأرض .

إن من أبرز المخاطر التي تحملها الاتفاقية هي المخاطر الأمنية والتي تكمن في بنود اتفاق الترتيبات الأمنية الذي أضعف الجيش السوداني وسوّى بينه وبين جيش المتمردين الذي نال من الضمانات ما يجعله يحكم الجنوب بمفرده وتحرسه قوات حفظ السلام وقوات الردع السريع ، وهذا كله في مقابل جيش لا دخل له بحفظ الأمن في البلاد مع افتقاده للقيادة الموحدة التي يمكنها اتخاذ القرار في حال تعرض أمن البلاد للخطر ، وتم استبدال ذلك بقيادة مشتركة مما يدل على عدم وجود الثقة بين طرفي التفاوض ، ولا يخفى على العقلاء ما في بنود اتفاق الترتيبات الأمنية من الخطر والبلاء والظلم والدهاء .

          وكذلك من مخاطر الإتفاقية تهديدها لوحدة السودان ، وقد تمثل ذلك بإعطاء الجنوب حق تقرير المصير والذي شمل ما سُمَّى بالمناطق المهمشة في جبال النوبة وأبيي وجنوب النيل الأزرق ، مما سيؤدي إلى تفتيت وحدة البلاد ، وما يحدث في دارفور ثمرة من ثمرات هذه الفتنة العمياء .

إنّ هذه الإتفاقية لن ينتج عنها إلاّ الإضطراب والتوتر ، وقد ورد في دراسة أعدها معهد الدراسات الإستراتيجية الأمريكي : ( أنّ الفترة الانتقالية ستكون مشوبةً بالتوترات ، وسَتُفضي في نهاية الأمر إلى دولة منهارة ) والواقع يؤكد أن الأوضاع ستؤول إلى دولة منهارة تسودها النعرات والجهويات حتى تضعف ويتمكن النصارى وأذنابهم من العلمانيين وأهل اليسار من زمام الأمور ورقاب الناس بطريقة أو أخرى !! .

يا جماهير شعبنا السوداني المسلم : إن الخطر الداهم والفتنة العظمى والمصيبة الكبرى والخطب الجلل يكمن في ملامح السودان الجديد الذي كان قادة الإنقاذ يُحذَّرون منه عندما كانوا حزباً – الجبهة الإسلامية القومية – في جريدتهم الراية ، عندما كانوا يتحدثون عن ( منفستو حركة التمرد ) والذي يقومون الآن بتنفيذه كاملاً بعد أن صاروا دولة ذات شوكة بجيشها ومؤسساتها ..!! .

إن السودان الجديد الذي يصر قائد حركة التمرد عليه ولا يفتؤُ يُبشر به في لقاءاته ومخاطباته هو السودان الخالي من الإسلام والعروبة ، وقد قال ذلك بكل صراحة ووضوح في خطابه ليلة توقيع الاتفاقية : ( إنّ مشكلة السودان تكمن في سعى الحكومات المتعاقبة لبناء دولة عربية إسلامية وإقصاء أطياف التعدد السوداني ) ، وهو بالتأكيد لا يعني بالعروبة الجنس وإنما يعني المسلمين كأمة والإسلام كدين وعقيدة .

إن هذه المؤامرة ليست وليدة اليوم ، ففي فبراير عام 1993م أصدرت لجنة الشؤون الأفريقية بالكونغرس الأمريكي توصية بأن تعمل الحكومة الأمريكية على تحرير جنوب السودان من الإستعمار العربي الإسلامي ، وقد نشأ في أمريكا ما يسمى بتجمع الكنائس من أجل السودان .

إن أهم ما هدفت إليه هذه الإتفاقية هو تمكين النصاري والعلمانيين من حكم السودان كما حكموا نيجيريا المسلمة ، وقد بدأوا هنا بالجنوب   الذي أُعطِى لقرنق ليقيم عليه دولته ، وقد بدأ بالتبشير بها والدعوة إليها ، ففي مخاطبته لمواطني مدني وسنجة عبر الهاتف قال : ( إن الحركة قادمة للخرطوم لتأسيس دولة السودان الجديد . وقال كذلك إنه يدعوا الجميع للتكاتف لإعادة دولة كوش )  . وهي مملكة وثنية قديمة . ولا يغيب عن المتابعين تجاهل الحكومة لوضع إخواننا المسلمين من أبناء الجنوب وغيرهم هنالك ، مع العلم بأنهم يشكلون أغلبية مقارنة بالنصارى .

إن الخطر القادم والذي يراد منه جعل السودان بحيرة نصرانية ، لم يعمل له قرنق وحده وإنما لعبت الإنقاذ فيه دوراً بيّناً لا تخطؤه العين ، وقد ضمنت في دستورها ومواثيقها علاقة الدين بالدولة بأن لا يطغى دين على دين ولا ثقافة على ثقافة . وهذا لا شك أنه تكذيب لكلام الله القائل : ] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ والقائل سبحانه : ] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ [  إن الدستور الإنتقالي الذي سيتم وضعه سيستخرج من دستور 98 العلماني الذي يعتبر المواطنة أساساً للحقوق والواجبات ومن وثيقة الإتفاقية والتي أعطت الولايات الحق في إستصدار تشريعات خاصة بها ، لا ريب أن ذلك إغراء لبقية ولايات السودان – غير الجنوب – للعدول عن تطبيق التشريعات الإسلامية ، وهذا كله لا يخفى على ذوي الألباب والبصائر أنه إلغاء غير معلن للشريعة الإسلامية والتي لم تجد حظها في السابق إلا في الهتافات والشعارات .

فيا جماهير شعبنا المسلم :  إن مواجهة هذا المشروع لا تتم إلا باليقظة والإنتباه ، وأخذ الحيطة والحذر مع الإعتصام بالله تعالى وحبله المتين ، والحرص على وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم في كل أنحاء البلاد ، وإلا ننتظر ما سيفعله بنا قرنق وأعوانه وقد قال سبحانه : ] الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [

] وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [  سورة الشعراء الآية (227)

 

جماعة الإعتصام بالكتاب والسنة

أمير الجماعة : الشيخ سليمان عثمان أبو نارو

الخرطوم في الثامن من ذي الحجة 1425- الموافق 18 يناير 2005م