الصومال: هل يغتالون الأمل؟

هكذا هي أقدار الله تأتي وفق مشيئته النافذة وحكمته البالغة لا تعجل لعجلة أحد.. فهو سبحانه يمضي ما يشاء وقت ما يشاء.. وفق هذه الارادة الالهية تمضي المعركة بين الحق والباطل في كل عصر ومصر.. نعم.. إن بروز المحاكم الاسلامية في الصومال في وجه تحالف قوى الباطل ممثلة في أمراء الحرب والحكومة المصنوعة في بيدوا ،لا يعدوا ان يكون حلقة من سنة التدافع بين الحق والباطل.

دعونا اذا نقف على ملابسات الصعود السريع لهذه الحركة الفتية.. فبعد سقوط نظام الطاغية سياد بري في أوائل التسعينات وما تبع ذلك من التفتت الداخلي الامر الذي اغرى امريكا بالتدخل العسكري المباشر لتستعرض قوتها كقطب وحيد في العالم بعد تفتت الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات فكان ما شهده العالم من جثث المارينز المسحولة على شوارع مقديشو الأمر الذي أثار الراي العام الامريكي ضد حكومته مما اضطرها لمغادرة الصومال على وجه السرعة مخلفة ما يزيد عن بضعة وثمانين جثة لجنود المارينز .فكان أن لجأت امريكا الي تغذية مخطط الفوضي الخلاقة حتى صار مصطلح الصوملة ،الذي يرمز للواقع الصومالي ، مصطلحا عالميا يضرب للتعبير عن كل معاني التشرزم والإضطراب والفوضى.هكذا أريد للصومال طوال أكثر من عقد ونصف العقد من الزمان ..أٍريد لشعبه أن يفني بعضه بعضا ومن يبقى ، يحيا حياة البؤس والفاقة والمرض والخوف.. وهو بالضبط ما ترغب فيه المنظمات الكنسية  لتسلبهم دينهم.

رعت أمريكا وشركائها الأوربيين وأصدقاءها من جيران الصومال الحاقدين كينيا وأثيوبيا، مخططات الصوملة هذه ممثلة في إزكاء الصراع بين ما أطلق عليهم أمراء الحرب الذين باعوا دينهم ووطنهم ،خدمة لأعداءه مع تقويض أية بادرة أمل في الصلح بينهم. وفي مرحلة تالية أوعزت إليهم في عقد مؤتمر لهم بكينيا برعاية هذه الدول من أجل تنصيب حكومة منهم تكون ألعوبة في يد جيرانها و قائمة على المنهج العلماني. .. عاش الصومال هذه الحقبة الأليمة من تاريخة مقطع الأوصال منتهب السيادة ، واكتوى الشعب المغلوب على أمره بنار هذه المليشيات التي عاست في الأرض فسادا.. ولكن أنى لشعب لا يرضى الضيم أن يقف مكتوف الأيدي فكان أن تداعى الغيورين من طلبة العلم والدعاة الي إنشاء محاكم شرعية بأحيائهم تقضي على تلك المظالم . ثم بدأت هذه المحاكم الشعبية في تقويض نفوذ العصابات التي قسمت مقديشو الي إقطاعيات.فلما شعر أمراء الحرب بهذا الخطر الذي يتهددهم ورأت أمريكا ان ذلك ليس من مصلحتها أوعزت الي أمراء الحرب لتكوين حلف سمي بتحالف مكافحة الإرهاب لمواجة تمدد نفوذ المحاكم الإسلامية. فكان أن توحدت المحاكم تحت قيادة الشيخ أحمد شريف لمواجهة أمراء الحرب . فاستطاع مجاهدوا المحاكم الاسلامية الحاق الهزيمة تلو الهزيمة بتلك العصابات و استسلم الكثير من جنودهم لقوات المحاكم حتى استطاعت ان تبسط نفوذها على مقديشوالعاصمة بالكامل ونجا أمراء الحرب بأنفسهم فمنهم من تلقفته السفن الحربية الأمريكية في عرض المحيط الهندي ومنهم من إنحاز للحكومة في بيدوا ومنهم من استسلم للمحاكم وأعلن توبته. ولم يمضي وقت طويل حتى وصل نفوذ المحاكم لأغلب مناطق الصومال في الوسط والجنوب، حتى صارت المحاكم الاسلامية صاحبت القوة الحقيقية على الأرض الأمر الذي أقلق أمريكا وعدوة الصومال التاريخية ،أثيوبيا ، فكان التدخل الأثيوبي السافر لدعم الحكومة الإنتقالية في بيدوا بالسلاح والعتاد والجنود وبدأت الحرب النفسية ضد المحاكم الإسلامية وبدأ ما يسمى بالمجتمع الدولي يتباكى على الواقع الصومالي بعد أن تجاهله ردحا من الزمن فكان القرار الذي أصدره مجلس الأمن مؤخرا ، بضرورة إرسال قوة أفريقية لحفظ السلام في الصومال،  وقام البرلمان الاثيوبي بإعلان الحرب على المحاكم الإسلامية. ولا شك أن أثيوبيا لا تتحرك إلا بايعاز و مباركة من أمريكا. ثم بدا ضعف الحكومة الانتقالية وكونها لا تعدو أن تكون حصان طروادة لدخول القوات الاثيوبية والقوات الافريقية المقترحة وذلك بالاستقالات الجماعية لوزرائها لما رأوا التدخل الاثيوبي السافر وقد كشف بعضم عن خريطة لقارة افريقيا وجدت بمكتب رئيس الوزراء عمر جيدي لا يوجد عليها الصومال وانما وجد أنه صار جزءا من أثيوبيا مما يؤكد على الأطماع الأثيوبية ، وخيانة وعمالة الحكومة الانتقالية. فهاهي هذه الدولة الاسلامية الفتية تمتد اليها الأيدي الصليبية الحاقدة لتوئدها في مهدها ولكن:

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(يوسف: من الآية21). إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (لأنفال:36)

 

مـشروع قرار أمريكي لارسال قوة دولية كبيرة للسودان

 

          من الأحداث التى شغلت الرأى العام فى شهر نوفمبر وما زالت تفاعلاتها مستمرة، الأحداث التي وقعت في الخرطوم ثم ملكال والفاشر وأخيرا جوبا.

 بخصوص أحداث الكلاكلة وأركويت فإنه يمثل النتيجة الحتمية لوجود شريكين متشاكسين ويمثل حلقة في خطة الفوضي الخلاقة التى دبج سيناريوهاتها مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطون قبل حتى توقيع اتفاقية نيفاشا. وقد كان مقتل جنود دوريات الشرطة وفق منهج مخطط لإثارة الرعب والخوف بالخرطوم ، يمثل قمة الخروقات الأمنية التي سجلتها الأجهزة الأمنية ضد أفراد الحركة الشعبية والتي كما ذكر معتمد محلية الكلاكلة ناهزت ال86 خرقا. ومن عجب أن قيادات الشرطة والمؤتمر الوطني علقت على تلك الأحداث بأنها محدودة وفردية وليست مخططة وبلغ بهم الهوان أقصاه وهم يوجهون الاتهام ضد مجهول في حادث مقتل جنود دورية الشرطة بسوق الكلاكلة مع وجود الأدلة الدامغة على أن من نفذه هم جنود الحركة الشعبية بالقوات المشتركة الموجودة بمعسكرها بالكلاكلة..!

        وأما ما حدث بملكال من معارك طاحنة بين قوات الشريكين فإن الأسباب الحقيقية وراء ه هو ملف الترتيبات الأمنية الخاصة بإتفاق نيفاشا حيث لا زالت قضية معالجة المليشيات المسلحة والتى كانت تقاتل إلى جانب جيشي الحكومة والحركة عالقة لم تحسم للتعقيدات التي بهذا الملف .  فالإتفاقية نصت على حل هذه المليشيات وإعطائها الخيار فى اختيار الجهة التى تريد الانضمام إليها ونسبة لارتياب كل طرف من الشريكين في نوايا الآخر ، حدث إخفاق فى تنفيذ هذه الجزئية من الإتفاقية فتركت هذه المليشيات بسلاحها مما شجع على حدوث إحتكاكات بين هذه المليشيات وكانت الأحداث الأخيرة والتى خلّفت العشرات من القتلى والجرحى . إنَّ ما ذُكر من أسباب قيام هذه الإشتباكات لا يرقى أن يكون سبب أساسى لقيام  هذه الإشتباكات بهذه الصورة العنيفة  بل لابد من وجود أسباب أخرى منها ماهو عنصرى ومنها ماهو انتقامى. وشهد شاهد من أهلها ففى مقابلة مع اللواء قبريال وهو قائد قوات دفاع الجنوب ، ذكر أن عناصر جيش الحركة كانت تستهدف التجار الشماليين بصورة خاصة وقد ذكر أيضاً أن سلفا كير ورياك مشار – عرضا عليه الإنضمام إلى الحركة الشعبية وقال بأنه  رفض ذلك. وجاء أيضاً فى تصريحات لسلفاكير بأنه  يطالب بحل هذه المليشيات وإبعادها من الجنوب أي قوات دفاع الجنوب وحتى قوات الدفاع الشعبى التابعة للحكومة. وسبق ذلك بعض الأحداث تؤكد الجانب العنصرى كذلك أختبرت هذه الحرب بعثة الأمم فى جنوب السودان فقد تحركت قوات الجيش الشعبى- قرابة 6 ألف جندى- على مرأى ومسمع من جنود وقوات المجتمع الدولى مما حدا بالبعض بتوجيه اتهامات إلى قوات الأمم المتحدة بإنحيازها إلى قوات جيش الحركة .

كذلك من الأحداث والتي ترتبت على ما تم في أبوجا , الهجوم على مدينة الفاشر من قبل مليشيات الجنجويد حسب ما جاء بالصحف وقد كان هذا الهجوم نهاراً و خلّف قتلى وجرحى وتم فيه نهب سوق الفاشر. وترجع أسباب هذه الأحداث إلى الهجوم الذى قامت به قوات جبهة الخلاص على شارف وأبو جابرة , ويعتبر هذا انتقال الحرب من دار فور إلى كردفان حيث وجود بعض القبائل العربية فقد كان من ضحايا هذا الهجوم على شارف وأبو جابرة أبناء من قبيلة المسيرية من بينهم ضابط من جهاز الأمن والمخابرات مما أثار حفيظة أبناء قبيلة المسيرية . وقد هبت مجموعة منهم فى تعقب هذه القوات وعندما علمت قوات جبهة الخلاص بقدوم هؤلاء الشباب تم عمل كمين لهم وتمت إبادة جزء كبير منهم مما زاد من حساسية الموقف و تمخض عن ذلك الهجوم على مدينة الفاشر إضافةً إلى أضطرابات فى كل الإقليم. وكما ذكر رئيس الجمهورية فى مؤتمره الصحفى عقب انعقاد القمة الباسيفيكية أن جبهة الخلاص إحتلت كل المواقع الخاصة بقوات منى أركوى الذى صرح بعد هذه الأحداث بخطورة الأمر وأنه ما لم تنزع سلاح ما يسمى بالجنجويد فسوف يرجع إلى المربع الأول.

هذه الأحداث المتلاحقة عندما تقرأ مع ما تم في الجبهة الشرقية من اتفاق يشمل ترتيبات أمنية جديدة ، وما يجري من ضغوطات على الحكومة للقبول بنشر قوات من الأمم المتحدة والتي وافقت عليها الحكومة أخيرا بعد وصول المبعوث الأمريكي الجديد ناتسيوس ، تنبؤ بوصول مشروع الدولة المنهارة لفصوله الختامية.