|
الوعي
السياسي : فرضيته ، وضوابطه ، وواجباته
الشيخ
سليمان أبونارو
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين صلوات الله
وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
الدين .
للعمل السياسي أهميته وخطره ولوازمه خاصة في واقعنا المعاصر ، ونجد أن
الفكر السياسي يعالج ثلاث قضايا أساسية هي : النظم السياسية – العلوم
السياسية – والأخبار والأحداث والوقائع السياسية وكيفية التعامل معها .
والحديث عن الوعي السياسي موضوعه القسم الأخير مباشرة وإن كان لا يبعد
عن القسمين الأخريين بالقطع .
أولاً : فرضية الوعي ومعياريته :
فالوعي هو سبيل الفهم والإدراك وعلى سلامته تقوم كل الأعمال الصالحة
والنافعة في الدين والدنيا وفي الحديث الشريف (( نضر الله امرءًا سمع
مقالتي فوعاها فرب مُبلَّغ أوعي من سامع )) فهذا هو العلم الذي لا يتم
تحصيله إلاًّ بالوعي – وكذا الثواب لا يتم تحصيله أيضاً بالحضور
والإقبال والوعي (( لك من صلاتك ما وعيت أو عقلت )) أو كما قال
r
.
وإن مشكلة المسلمين بدأت ولكنها انتهت باللاّ وعي ولا سبيل للبعث
والنهوض إلاَّ بإحياء الوعي بالخروج من الغفلة والسذاجة واللاّ مسئولية
.
ثانياً : مصطلح الوعي السياسي
يتكون من مفردتين : الوعي – السياسة – والمقصود بالوعي حفظ القلب للشئ
والشخص ( الوَعِيّ ) هو الحافظ الكيس الفقيه كما يقول الأزهري فالفكر
السياسي يحتاج إلى كل هذه الآليات حتى يتمكن من معالجة المشكلات
السياسية على الوجه المناسب .
أما السياسة في مصطلح الفقهاء تعني التوسعة على ولاة الأمر أن يعملوا
ما تقضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الدين وإن لم يقم عليه دليل خاص
، إعمالاً لأصل المصلحة المرسلة .
وعند غيرهم من العلماء – المراد معنى أعم بالاستعمال اللغوي – وهو
تدبير مصالح العباد وفق الشرع . وعند الجميع ليست فن الممكن كما روج
العلمانيون والعصرانيون .
يقول أبن خلدون رحمه الله : إن النظم السياسية تنقسم إلى ثلاثة :
·
الملك الطبيعي - وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة .
·
الملك السياسي – وهو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح
الدنيوية ودفع مضارها .
·
الخلافة – وهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي .
والخلاصة أنها ترجع إلى نوعين : سياسة عادلة وهي السياسة الشرعية وأخرى
ظالمة وهي ما عداها ( الملك الطبيعي / الملك السياسي )
ثالثاً : مكونات الوعي :-
1.
الإيمان العميق بالرسالية والعلم بمقاصدها ومطالبها.
2.
الخوف من الله تعالى والإحساس بالمسئولية الملقاة على عاتق المسلم خاصة
الداعية .
3.
العمل الدائم والحركة المتصلة بالأحداث والجهد الذي لا ينقطع ، فان
المجاهدة في سبيل الله تورث البصيرة والهداية .
4.
الاستفادة من الخبرة والدراية بالواقع مع القراءات المتجددة عن كل ما
يكتب خاصة من الثقاة المعاصرين مع البناء على مؤلفات السابقين من السلف
الصالح .
هذه بعض مكونات الوعي عموماً والوعي السياسي على وجه الخصوص – وبالهم
والممارسة والمتابعة تكتمل الصورة .
رابعاً : - ضوابط في سلامة المنطلقات .
1.
النظر إلى ثمرات الحضارة الغربية بريبة وإخضاعها للنظر الشرعي خاصة وأن
العلوم الحياتية الحديثة بنيت على مسلمات وقيم ومفاهيم الحضارة الغربية
ووظفت لصالحها .
2.
القطع واليقين بأن الإسلام هو دين الحق الناسخ لكل الأديان ومنهج الله
المهيمن على كل المناهج وهو نظام للحياة مغاير لكل النظم الجاهلية
القائمة ، وأن النظام الإسلامي السياسي منه والاقتصادي والقانوني
والسلوكي لا يتعايش مع الباطل أو يستعمل لصيانته وهو البديل الوحيد
الحق لها جميعاً .
* الإطار الكلي للواقع السياسي العالمي : -
إن الدراية الواسعة بالواقع السياسي المعاصر ماضيه وحاضره وتطلعاته؛
تؤدي إلى الوعي السياسي المطلوب والمقصود هنا ، وهذه محاولة لتقريب ذلك
.
إن النهضة الحياتية المعاصرة في الغرب حملت أهل الحضارة الغربية إلى
الاعتقاد والقول بأن هذا هو السقف الذي لا شيء فوقه في العالم والحياة
، وعلى الجميع السعي للوصول إليه وأن معيار التقدم والتخلف العدل
والظلم والخير والشر؛ هو مدى القرب أو البعد من تلك الصورة القائمة في
الغرب والتي هي ثمرة حضارتهم . ومن هنا جاءت النظريات السياسية للتنمية
والحتميات الكونية ، بدءً بنظريات التنمية السياسية ، ودراسات
الأنثروبولوجيا ودراسات الإستشراق . وكل نظرياتهم ودراساتهم تلك مبنية
على واحدية وخطية وتصاعدية التاريخ البشري . فالتاريخ البشري عندهم بدأ
من الصفر وظل يرتقي شيئاً فشيئاً حتى بلغ هذه المرحلة – ومن غير شك أن
نظرتهم هذه تقول بعكس ما يقول الوحي وتؤكد وقائع التاريخ البشري حيث
يكون الرقي والانحطاط بحسب الاستقامة على منهج الله تعالى أو الخروج
عليه . والقرآن الكريم خير شاهد على ذلك من لدن آدم وحتى محمد صلوات
الله وسلامه عليهم جميعاً .
ثمَّ إن هذه القناعات النظرية والدراسات الفكرية تطورت
عندهم فتحولت إلى
مرحلة الحتميات التاريخية
.
كانت في البدء الحتمية التاريخية التي قالت بها الماركسية القائلة بأن
الشيوعية هي نهاية التاريخ البشري باعتبارها آخر مراحله عندهم . وقد
ذهبت الحتمية الماركسية وبقيت البشـرية ، ومضى التاريخ في سبيله وهو
يمد لسانه ساخرا على جهالة القوم وسطحيتهم.
1.
ثم جاءت حتمية الرأسمالية اللبرالية ، وأنها آخر مراحل التاريخ البشري
وان جميع المجتمعات وأن جميع المجتمعات صائرة إليها لا محالة - طوعا أو
كرها-(فرانسيس فوكوياما) في كتابه ( نهاية التاريخ والرجل الأبيض)
والذي حمل صياغة نظرية لسياسة عملية ؛ بل تبريراً فكرياً لمقولات
وسياسات القائمين على النظام العالمي الذي يسمونه جديداً ، والذي يسعى
لجعل النسق السياسي والاقتصادي والثقافي السائد في الغرب (أمريكا
وأوروبا) مثلاً أعلى للعالم. عليه
ان يسعى للوصول
إليه . وهي ذات المسلمات التي قامت عليها النظريات التي أشرنا إليها من
قبل بصورة تجعل أوربا والولايات المتحدة النموذج الأرقى ونقطة نهاية
التاريخ البشري حيث لا شئ فوق ذلك.ويلاحظ أخيراً أن هذه النظرة الساذجة
والتي لا أصل لها البتة؛ يجري لها البعض عمليات جراحية بائسة لربطها
بجذور دينية من بعض الصهاينة والصليبين الجدد من أمثال الرئيس الأمريكي
بوش ومدرسته الحاقدة
* خطورة الحتمية الرأسمالية :-
لقد ظهرت الحتمية الماركسية للتاريخ في ظل توازن دولي وفي إطار حرب
باردة ، ومن ثمَّ كان مدخلها للتطبيق في أرض الواقع غالباً على
الاقتناع وخلق طبقات مؤيدة وأساليب الدعاية المختلفة ، وأحياناً بالقوة
عند أمان المواجهة مما خفف من وقعها وقلل من خطرها .
أما الحتمية الجديدة التي نعيش زمانها اليوم؛ فإنها تفرض ذاتها بوسائل
أخرى تقوم على الإجبار بصوره المختلفة – استخدام الأمم المتحدة / صندوق
النقد والبنك الدولي / حقوق الإنسان/ القوة المسلحة وأساليب أخرى لا
حصر لها . ومن جانب آخر مما يعظم من خطرها أكثر ؛ مقدار الاستجابة لها
من قبل النخب الحاكمة والمحيطة بها في العالم الثالث أكثر من حظ
سابقتها ، وذلك من جراء تهيئة الساحة والإعداد لها منذ وقت طويل من
خلال التعليم والثقافة والاجتماع والدعم .
ومما لا شك فيه أن هذه الحتمية هي الأخرى ستذهب غير مأسوف عليها عندما
يأذن الله بذلك ، وستبقى البشرية رغم أنف هذه الهطرقة وهذيان الغرور .
ولكن الذي يؤسف له أن البشرية سوف تدفع غالي الثمن من جرائها .
* الواجبات تلقاء ذلك كله :-
في ظل هذا الواقع المفزع والذي أفرزته تلك المتغيرات الفكرية والسياسية
؛ تبرز أهمية وخطورة السعي في التصدي له ومواجهته ، حفاظاً على الدين
والهوية والذات والبلدان ، وطرح منظور عقدي مغاير للمنظور السائد والذي
يدعى الحتمية في وقوعه والخضوع له ، وذلك لإخراج البشرية من هاوية
الحتميات المتهاوية ومستنقعاتها . فكيف السبيل إلى ذلك . وقبل ذلك
نتساءل لماذا كان هذا هو مصيرهم جميعاً في شفرة حضارتهم ؟ والجواب
باختصار ووضوح: أن مشكلة كل تلك الحتميات أنها كفرت بالله وألغت (الغيب
) من حسابها ، فكان مصيرها الفناء ، حيث اعتمدت جدلية منقوصة
مبتورة(الإنسان/الطبيعة) وإخراج الغيب الخارج عن حدود الزمان والمكان
والذي يقدم ما لا يستطيع العقل المحدود تقديمه حتى في شأن
معرفة(الإنسان/ والطبيعة ) على وجه الحقيقة ، حيث لا سبيل إلى ذلك إلاّ
عن طريق الوحي من خالق الإنسان والطبيعة ، ومن ثمَّ فقد قامت حتمياتهم
كلها على جهالة وافتراضات زادها الظن والهوى ، فكان مصيرها الحتمي
الانهيار والسقوط . فالفكر الإنساني غير مقتدر على الإحاطة بالكائنات
وأسبابها وحقائقها والوقوف على تفاصيلها كلها ، لأن الوجود عند كل مدرك
ينحصر في مداركه لا يعدوها ، والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه
. فالأصم مثلاً ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمقولات ويسقط
عنده صنف المسموعات ، وكذا الأعمى يسقط عنده صنف المرئيات وهكذا ، فما
أجهل الإنسان وأضله حين ينفصل عن الوحي ويعتمد الجهل والهوى كما هو شأن
الحضارة الغربية المحتضرة بإذن الله وإن علا صوتها اليوم .
* لوازم :
إن الفعل الغاشم الذي تقوم به جاهلية القرن العشرين المسماة بالحضارة ؛
يوجب على كل مسلم التصدي لها ، حماية للدين وحفظه ، وإنقاذ البشرية
بسياسة الدنيا به أي الدين الإسلامي – وهذه فريضة دينية سوف نسأل عنها
يوم الدين ، كما أنها ضرورة بشرية لا خروج للبشرية من هذا المأزق إلا
بها .
هذا الواجب الذي هو على الكافة ؛ يكون حظ الدعاة إلى الله هو الأكبر ،
ومسئوليتهم فيه هي الأعظم . فإن القوم قد تحكموا في الكفار من كتابين
ووثنيين هم اليوم يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم . والله قد
أوجب مجاهدتهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
|