|
"الكومبوني" السودانية.. مدارس تبشيرية للدعاة والساسة

بالرغم من خضوع
مدارس الكومبوني لإشراف الحكومة السودانية الكامل فإن بعض السودانيين
يتخوفون من دورها التبشيري وخاصة أنها تخضع في نفس الوقت لإشراف
الكنيسة الكاثوليكية في روما. والمفارقة أن من بين خريجيها فقهاء أو
أصحاب طرق صوفية ورؤساء أحزاب سياسية كبيرة في السودان، ومن أشهر هؤلاء
الدكتور حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي، والصادق المهدي رئيس الوزراء
الأسبق زعيم حزب الأمة السوداني.
ويرى قسم من السودانيين أن
هذه المدارس تقدم خدمات مجانية وملابس، وتوفر حافلات لتلاميذها بجانب
وجبات غذائية في مجتمع فقير بهدف لفت أنظارهم والتأثير في عقيدتهم،
بحسب أحد المسئولين السودانيين الذين سبق لهم الدراسة بأحد أفرع هذه
الكومبوني، بقريته التابعة لولاية "دنقلا"، مؤكدا أنهم يضعون السم في
العسل ويقدمون خدمات مبهرة للتلاميذ أبناء الطبقات الفقيرة الدارسين
بها. ويروي هذا المسئول تجربته الشخصية حيث قرر الانتقال منها بعد أن
أصر المسئولون على وضع حصة الدين المسيحي في منتصف اليوم الدراسي بعد
أن اكتشفوا أن معظم التلاميذ يتجنبون حضورها عندما كانت في آخر اليوم
الدراسي، بعدها قررت أسرته نقله لمدرسة حكومية أخرى.
المبشر كومبوني

تعود بداية تسمية وظهور "الكومبوني"
في الحياة الثقافية السودانية إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما قرر
رجل دين إيطالي يدعى دنيال كومبوني تنظيم رحلة للسودان بمرافقة تسعة من
زملائه بهدف نقل فكرة مدارس غير القادرين من أوربا إلى أفريقيا عبر
السودان، واستغرقت الرحلة حوالي 6 أشهر حتى وصلوا إلى مدينة جوبا جنوب
السودان، وتعرض الوفد إلى الإصابة بالأمراض والأوبئة مما أدى إلى وفاة
رفاق كومبوني التسعة بينما ظل هو يصارع المرض حتى وصل الخرطوم ثم منها
إلى القاهرة لتلقي العلاج، إلى أن عاد إلى روما ليستكمل الشفاء، ورغم
مخاطر رحلة دنيال كومبوني الأولى للسودان وفقدان كل رفاقه فإنه ظل يفكر
في العودة مرة أخرى لهذه البلاد، وبالفعل عاود الكرة بعد عامين حيث وصل
إلى القاهرة وأسس فيها مدرسة مسائية لتعليم الأفارقة المقيمين في مصر،
واشترى مقرا في منطقة مصر القديمة، وكانت خطته تقوم على شراء العبيد
الأفارقة وتحريرهم وتعليمهم اللغات الأجنبية وأسس العقيدة المسيحية،
وبعد أقل من عام أصبح لديه كوادر محليون بدأ في تجميعهم والسفر معهم من
جديد إلى السودان وبالتحديد إلى الجنوب في مدينة جوبا، وفيها تأسست
النواة الأولى للكومبوني التي أخذت تنتقل من جوبا إلى مختلف الولايات
السودانية حتى وصلت إلى العاصمة وتأسست أول كومبوني بوسط الخرطوم عام
1928، وما زالت قائمة حتى الآن، كما وصل عدد الأفرع التابعة لها في
الخرطوم ومحيطها من المدن الكبرى حوالي 90 مدرسة تغطي أكبر المناطق
كثافة بالسكان.
تبرعات
كنسية
وحول مصادر تمويل الكومبوني
يؤكد المشرف الديني أن أغلب التمويل يتم بطرق ذاتية، بجانب تبرعات بعض
الشخصيات السودانية الذين تلقوا تعليمهم في الكومبوني، خاصة أن شخصيات
سودانية شهيرة تخرجت منها مثل الدكتور حسن الترابي والصادق المهدي
والعشرات من أساتذة الجامعات والشعراء والدعاة الذين تلقوا تعليمهم
الأساسي بالكومبوني ثم أكملوا المراحل الأخرى بالأزهر والجامعات
الإسلامية بالسودان وخارجها، فضلا عن جهود المسئولين في توفير الدعم
المالي اللازم سواء من الداخل أو من الخارج عن طريق مؤسسات تمويل دولية
-بعضها كنسي- بهدف تغطية التكاليف المطلوبة للعملية التعليمية خاصة أن
كل مدرسة ملتزمة بتخصيص عدد من المقاعد المجانية للتلاميذ المتفوقين.
وحول تطور النظام التعليمي
بالكومبوني يقول بولس أنيس: مع بداية عام 2000 تم افتتاح أول كلية
جامعية تابعة للكومبوني بعد أن كان دورها يتوقف عند مرحلة التعليم ما
قبل الجامعي، وأمام إلحاح أولياء الأمور قررنا إنشاء أول كلية لعلوم
الحاسب والتكنولوجيا يدرس فيها حاليا حوالي 400 طالب بمصاريف رمزية
أيضا مقارنة بأسعار التعليم الجامعي الخاص، وحتى الآن أثبتت التجربة
نجاحا كبيرا وربما يتم افتتاح كليات جديدة تلبي الطلب المتزايد على
التعليم الجامعي في السودان.
|